الرابحون بلا قتال،،كيف استثمرت بكين وموسكو نتائج حرب أمريكا على إيران؟

منذ 6 ساعات
مشاركة الخبر:

في لعبة الشطرنج الجيوسياسية الراهنة، تثبت الأحداث أن الحروب لا تفيد دائماً من يطلق رصاصتها الأولى ،وبينما تنشغل الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة عسكرية وأمنية مفتوحة مع إيران، تقف بكين وموسكو في مقاعد المتفرجين الاذكياء لتحصدا ثمار هذا الصراع الاستراتيجي الهائل دون الحاجة لخوض قتال مباشر.          يمكن ان اسميها ( استراتيجية "الحصاد الصامت")  التي تعيد بهدوء هندسة النظام الدولي على حساب النفوذ الغربي.
وتمثل ذلك في تشتيت الغرب واستنزاف المقدرات
إذ جاء  التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد طهران بمثابة  هدية استراتيجية ثمينة لكل من روسيا والصين، وتتجلى مكاسبهما في ثلاثة مسارات رئيسية:

* إنهاك المقدرات الغربية: استهلاك الذخائر الحيوية والتمويل الأمريكي في جبهات الشرق الأوسط مما يحجم قدرة واشنطن العسكرية على التوسع أو مجابهة الخصوم في آسيا وأوروبا الشرقية.
* تشتيت الانتباه الدولي، تراجع الاهتمام العالمي بملفات حساسة مثل حرب أوكرانيا وتمدد الصين في بحر الصين الجنوبي، مما يمنح موسكو وبكين هوامش حركة أوسع.
* ملء فراغ القوة بعد التراجع الحاد في الموثوقية الدبلوماسية الأمريكية بالمنطقة بما يفتح الباب على مصراعيه لتقدم الوساطات والبدائل السياسية الشرقية. والسؤال هنا أين مكاسب كلا من موسكو وبكين ؟

استفادت موسكو في تأمين الجبهة الأوكرانية وتعميق التحالفات
اذ تجد روسيا في هذا الصراع فرصة ذهبية لتخفيف الضغوط المفروضة عليها منذ سنوات.

* شراكة عسكرية متجذرة تعزيز العلاقات الدفاعية مع طهران عبر تبادل التكنولوجيا العسكرية المتطورة، والمسيرات، والأنظمة الدفاعية، مما يخلق جبهة عسكرية موحدة ضد الناتو.
* إزاحة الضغط العسكري وتحويل التركيز اللوجستي والاستخباراتي الغربي بعيداً عن الجبهة الروسية في شرق أوروبا لإنقاذ الموقف في الشرق الأوسط.
* أوراق ضغط دولية، استخدام ورقة الاستقرار الإقليمي للمساومة مع القوى الغربية في ملفات العقوبات الاقتصادية والترتيبات الأمنية المستقبلية.

اما بكين وزعيمها الهاديء فقد استفاد من أمن الطاقة وبناء نظام متعدد الأقطاب
بالنسبة للصين، يمثل الصراع بيئة مثالية لتسريع مشروعها الرامي لإنهاء الهيمنة الأمريكية أحادية القطب:

* تدفق النفط الرخيص: ضمان إمدادات طاقة مستمرة خارج نطاق السيطرة والعقوبات الأمريكية، مستفيدة من حاجة إيران وروسيا لأسواق بديلة.
* الدبلوماسية الهادئة، تقديم الصين نفسها كراعٍ دولي للسلام وبديل عاقل غير متهور كما هو حال ترامب والسياسة العسكرية الأمريكية، مستندة إلى إرث وساطتها السابقة بين القوى الإقليمية.
* تقويض هيمنة الدولار، التوسع غير المسبوق في استخدام العملات المحلية (كاليوان والروبل) في المعاملات النفطية والتجارية، مما يوجه ضربة قوية لسلاح العقوبات المالية الغربية.

ولا بد من الاشارة الى انعكاسات تلك التداعيات على الدول العربية والتي وجدت نفسها محشورة بين مطرقة التصعيد وسندان الاستقطاب
حيث لا تقف العواصم العربية بعيدة عن شظايا هذا التحول، بل تجد نفسها في عين العاصفة وتتحمل التبعات الأكثر تعقيداً والمتمثلة ب

* تهديد أمن الطاقة والممرات: تزايد مخاطر استهداف المضائق الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب، مما يهدد سلامة الصادرات النفطية العربية وحركة التجارة العالمية.
* ضغوط الاستقطاب الجيوسياسي: مواجهة ضغوط متزايدة للاختيار الصعب بين الحليف الأمريكي التقليدي والشراكات الاقتصادية الاستراتيجية المتنامية مع الصين وروسيا.
* كلفة التسلح والدفاع: الاضطرار لزيادة الإنفاق العسكري لتأمين الأجواء والمنشآت الحيوية، مما يشكل عبئاً مالياً يقتطع من ميزانيات التنمية المستدامة.
* إعادة صياغة الأمن الإقليمي: دفع تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية ببعض الدول نحو تنويع تحالفاتها، وبناء تفاهمات مباشرة مع القوى الشرقية لضمان حد أدنى من الاستقرار.
* معضلة إعادة الإعمار: تزايد الدمار في جبهات المواجهة يضع أعباء مالية وسياسية مستقبيلة على النظام الإقليمي العربي، في ظل انشغال القوى الكبرى بصراعاتها الذاتية.

وختاما فان مآلات هذا الصراع وبناء العالم الجديد
في المحصلة، تثبت التطورات الراهنة أن الحروب بالمواجهات المباشرة في الشرق الأوسط لم تعد تنتج رابحين داخل رقعة الصراع التقليدية ، وبينما تتحمل واشنطن وتل أبيب الكلفة العسكرية والسياسية الباهظة، وتدفع إيران وعواصم المنطقة كلفة الدمار والاضطراب، تقف موسكو وبكين في موقع "الرابحين بلا قتال"، ليجني الشرق ثمار الاستنزاف الغربي دون عناء مادي أو بشري.
إن هذا التحول لا يعيد رسم الخرائط السياسية للمنطقة فحسب، بل يضع لبنة أساسية في جدار النظام الدولي متعدد الأقطاب والذي اسهمت شخصية الرئيس ترامب في ترسيخ صورة عن افتقاره الى استراتيجية ويعتمد سياسات ارتجالية وتكرار ممل الى حد وصف الكاتب الامريكي البارز توماس فريدمان ترامب بانه الرئيس الذي ينسحب قبل اكمال مهمته ويصدر يوميا كم  هائل من تصريحات مملة وكلام مكرر ومتناقض الى حد جعل حلفاءه من الدول العربية لا يستطيعون التنبوء بمواقفه السياسية وحول البلدان الصديقة لامريكا في هذا المشهد الى مجرد ساحة للصراع، بل انها باتت مطالبة بصياغة استراتيجيات مرنة توازن بين الشراكات الشرقية والتحالفات الغربية، لحماية مصالحها الوطنية وسط عالم يعاد تشكيله على وقع المدافع وصراع الكبار.