الروح الممتدة في وعي الأمة: قراءة استثنائية في مسيرة المؤتمر الشعبي العام
في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1982، لم تكن ولادة المؤتمر الشعبي العام مجرد حدث عادي في شريط التطورات السياسية اليمني، بل كانت لحظة فارقة أُعيد فيها رسم فلسفة إدارة التنوع المجتمعي والسياسي.
جاء تأسيس هذا الكيان في ظرف تاريخي بالغ الحساسية، حيث كانت الحاجة ملحة لصياغة إطار وطني جامع يتجاوز حالة الاستقطاب والانغلاق، ويستوعب مختلف التيارات والفعاليات الاجتماعية والثقافية تحت مظلة واحدة، لتتحول تلك التجربة تدريجياً من مجرد تنظيم إلى "روح سياسية" وتيار فكري وعملي حاضر في الوعي الجمعي لقطاع واسع من اليمنيين.
تجلت هذه الروح في قدرة المشروع على تقديم نموذج مرن للعيش المشترك، حيث تحولت فكرة المؤتمر في أذهان أنصاره إلى مرادف مفهومي للدولة، والجمهورية، والتعددية، والاعتدال. لم يعتمد هذا الحضور الذهني الممتد عبر أربعة عقود على الأطر البرامجية الجافة، بل تأسس على منظومة قيمية جعلت من التسامح، والحوار، وإدارة الاختلاف وسيلة لبناء السلام الاجتماعي. ولهذا السبب، اتسعت قاعدته الشعبية لتشمل مختلف فئات المجتمع من فلاحين، وموظفين، وأكاديميين، وشخصيات اجتماعية، متجاوزاً بذلك التخندقات المناطقية أو الفئوية الحادة.
شكلت محطة التعددية السياسية وإعلان الوحدة اليمنية في مايو 1990 اختباراً حقيقياً لمدى قدرة هذا التنظيم على التأقلم مع التحولات الكبرى. فقد أسهم المؤتمر في التأسيس لثقافة التنافس السلمي والتداول عبر صندوق الاقتراع، مما فتح آفاقاً جديدة للمشاركة الشعبية وإعادة تشكيل الوعي العام حول أهمية المواطنة المتساوية.
كما اقترن التطور التنظيمي للحزب ومسيرته التاريخية بشخصية مؤسسه الراحل علي عبد الله صالح، الذي قاد الحزب عبر محطات معقدة من تاريخ اليمن الحديث، وصولاً إلى رحيله مع الأمين العام عارف الزوكا في ديسمبر 2017، وهي المحطة التي شكلت تحولاً مفصلياً في البنية التنظيمية والسياسية للحزب.
رغم التحديات الجسيمة والصراعات العنيفة التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الأخيرة، يستمر المؤتمر الشعبي العام في الاحتفاظ بحضور سياسي وشعبي لا يمكن تغافله عند قراءة خارطة المستقبل السياسي. إن الحاجة اليوم تبدو أكثر إلحاحاً لاستعادة تلك الروح الجامعة؛ ليس بداعي النستولوجيا أو الاستغراق في الماضي، بل لاستلهام القواعد الكفيلة بإعادة بناء المساحة الوطنية المشتركة التي تضمن لليمنيين حق الاختلاف دون اقتتال، والتنافس دون إقصاء، وبناء دولة المواطنة التي تتسع للجميع.