في الذكرى الـ44 لتأسيسه.. المؤتمر الشعبي العام بين انجازات الماضي وتحديات المستقبل
تحل الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 2026، وسط ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة تعيشها اليمن منذ أكثر من عقد، ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تجربة الحزب، وأدواره في بناء الدولة، وما حققه خلال أكثر من أربعة عقود، إلى جانب التحديات التي واجهها ومستقبله في المشهد السياسي اليمني.
ومنذ تأسسه اصبح المؤتمر الشعبي العام أحد أبرز الاحزاب والتظيمات السياسية الفاعلين في الحياة السياسية اليمنية، وارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ البلاد، من بناء مؤسسات الدولة ومشاريع البنية التحتية والتعليم والصحة، إلى تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، وما أعقبها من تجربة التعددية السياسية والانتخابات والعمل البرلماني وغيرها من الانجازات .
وفي هذه المناسبة، يرى ناشطون وشخصيات سياسية أن استحضار تجربة المؤتمر لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفال بذكرى التأسيس، وإنما يجب أن يترافق مع قراءة نقدية لمسيرته، وتقييم ما حققه من نجاحات وما رافقه من إخفاقات، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدتها اليمن خلال السنوات الماضية.
فؤاد: المؤتمر حاضر رغم الأزمات
وفي هذا السياق يقول الناشط الإعلامي أسامة فؤاد إن الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر الشعبي العام تمثل محطة لاستحضار مسيرة الحزب ودوره في الحياة السياسية والوطنية اليمنية، مشيرًا إلى أن المؤتمر تبنى منذ تأسيسه مبادئ الشراكة والتوافق والحوار والقبول بالآخر.
وأضاف فؤاد أن المؤتمر ارتبط بمحطات مهمة، أبرزها تحقيق الوحدة اليمنية وتعزيز الديمقراطية والتعددية السياسية، إلى جانب تنفيذ مشاريع تنموية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، معتبرًا أن تلك التجربة تركت أثرًا في مسار الدولة والمجتمع.
وتوقف فؤاد عند الأحداث التي شهدتها اليمن منذ عام 2011، وما أعقبها من صراعات وحروب ألحقت أضرارًا كبيرة بمكتسبات البلاد وأثرت على أمنها واستقرارها وأوضاعها المعيشية.
وقال إن هذه المرحلة تستدعي استخلاص الدروس وتجاوز الخلافات ورواسب الماضي.
وأكد أن المؤتمر، رغم ما مر به من أزمات وانقسامات، لا يزال حاضرًا في المشهد السياسي، داعيًا قياداته وقواعده إلى رص الصفوف وتضميد الجراح والعمل من أجل استعادة الاستقرار والسلام ودفع عجلة البناء والتنمية.
الدباء: مساحة للتوافق
من جانبه، قال الناشط والكاتب عبد السلام الدباء إن ذكرى تأسيس المؤتمر تمثل مناسبة وطنية لاستحضار الفكرة التي قام عليها الحزب، والمتمثلة،، في الوسطية والاعتدال والديمقراطية والتعددية والوحدة الوطنية.
وأشار الدباء إلى أن انضمامه إلى المؤتمر منذ مرحلة الدراسة الثانوية جاء عن قناعة بهذه المبادئ، مؤكدًا أن تلك القناعة لا تزال حاضرة لديه حتى اليوم.
وأضاف، في منشور له في صفحته على الفيسبوك بعنوان «سجل.. أنا يمني مؤتمري وأفتخر»، أن المؤتمر جمع أطيافًا سياسية وفكرية واجتماعية مختلفة، ومثّل مساحة للالتقاء والتوافق بين اليمنيين، معتبرًا أن حضوره ارتبط في الوعي الشعبي بمفاهيم الوحدة والديمقراطية والجمهورية والسلام والتنمية والسيادة.
ويرى الدباء أن الظروف التي تعيشها اليمن منذ سنوات من الحرب والانقسام تجعل الحفاظ على القوى الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها المؤتمر، ضرورة وطنية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الاحتفاء بالذكرى لا ينبغي أن يتحول إلى «تطبيل أو تصفيق أعمى».
ودعا الحزب إلى مراجعة تجربته وتجديد خطابه واستعادة ثقة الناس وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، معربًا عن تفاؤله بقدرته على استعادة دوره كجسر يجمع اليمنيين، بدلًا من أن يكون طرفًا في تعميق الانقسامات.
علاو : المؤتمر إطار وطني جامع
أما المحامي محمد علي علاو، فقال إن الذكرى الـ44 تمثل مناسبة لاستحضار مسيرة أربعة عقود من الحضور السياسي والوطني للمؤتمر، وما ارتبط بها من مراحل رئيسية في تاريخ اليمن الحديث.
وأشار علاو إلى دور المؤتمر في بناء مؤسسات الدولة وتنفيذ مشاريع التنمية، معتبرًا أن تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 يظل من أبرز المحطات التي ارتبط بها الحزب، إلى جانب ما أعقب الوحدة من تجربة التعددية السياسية والانتخابات والعمل البرلماني.
واعتبر أن المؤتمر شكل منذ تأسيسه إطارًا وطنيًا واسعًا سعى إلى تجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية والقبلية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن مسيرته لم تخلُ من تحديات وأخطاء تستدعي التقييم والمراجعة.
2011.. نقطة تحول
وتوقف علاو عند أحداث عام 2011، معتبرًا أنها مثلت «نقطة تحول وانكسار كبرى» في مسار اليمن، مشيرًا إلى حادثة استهداف مسجد دار الرئاسة في يونيو من العام نفسه، والتي استهدفت قيادة الدولة والمؤتمر الشعبي العام.
وقال إن التسوية السياسية التي أعقبت الأزمة وانتقال السلطة عام 2012 بصورة سلمية لم تمنع لاحقًا انزلاق البلاد إلى الصراع والحرب والتدخلات الإقليمية والدولية، وصولًا إلى تراجع مؤسسات الدولة واستمرار معاناة اليمنيين.
مراجعة التجربة ومستقبل الحزب
ويتفق المشاركون في الاستطلاع على أن الذكرى الـ44 تمثل فرصة لمراجعة تجربة المؤتمر، وإن اختلفت زوايا تناولهم لها، بين التركيز على إنجازات الحزب ودوره في بناء الدولة والوحدة، وبين الدعوة إلى مراجعة الأخطاء وتطوير الأداء السياسي والتنظيمي.
ويرى المشاركون أن مستقبل المؤتمر يرتبط بقدرته على التعامل مع المتغيرات التي طرأت على اليمن خلال السنوات الماضية، واستعادة ثقة الشارع، وتقديم خطاب سياسي يستوعب التحولات الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن الاكتفاء باستحضار الماضي.
وأكدوا أن اليمن اليوم بحاجة إلى استعادة العمل السياسي السلمي، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتجاوز الانقسام، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والشخصية، معتبرين أن تجربة المؤتمر، بما لها وما عليها، تظل جزءًا من تاريخ اليمن السياسي الحديث.
وبعد 44 عامًا على تأسيسه، تظل الأسئلة حول قدرة المؤتمر الشعبي العام على استعادة دوره، وتجاوز انقساماته الداخلية، وتطوير خطابه، والمساهمة في بناء توافق وطني، مطروحة بقوة في ظل استمرار الأزمة اليمنية.
وتشير مشاركات الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن الاحتفاء بالذكرى لا يكفي وحده، وأن التحدي الحقيقي أمام الحزب يتمثل في تحويل إرثه السياسي إلى مشروع قادر على التعامل مع حاضر اليمن، والمساهمة في استعادة الدولة والاستقرار والسلام، بما ينسجم مع تطلعات اليمنيين إلى مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.