صنعاء في مهب الخراب .. كيف تحولت عاصمة التاريخ إلى مدينة طاردة للحياة
تتأرجح العاصمة التاريخية بين مطرقة الواقع المفروض وسندان التجريف الممنهج لهويتها الثقافية والإنسانية، لتتحول شيئًا فشيئًا من حاضنة زاهية للحضارة والتعايش إلى فضاء يئن تحت وطأة القيود والأحكام الأحادية.
إن ما تشهده المدينة اليوم لا يقتصر على مجرد تداعيات أمنية أو أزمات اقتصادية عابرة، بل يتجاوز ذلك ليطال جوهر الروح اليمنية التي طالما عُرفت بالتنوع ورحابة الإنسانية. ومن بين تباين الأزقة العتيقة وجدران الطين الموشاة بالحكايات، ترتفع أصوات مقهورة تعلن أن الصمت قد صار تواطؤًا، وأن الأوان قد حان لمساءلة الأسباب العميقة التي جعلت من هذه الحاضرة العريقة مدينة طاردة لأبنائها، عاجزة عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم لكل من ينبض بالحياة والإبداع على أرضها الطيبة.
نزف الكفاءات وهجرة الرأس والجسد
شهدت العاصمة اليمنية خلال السنوات الأخيرة نزيفًا هادئًا لكنه مدمر، طال كافة شرائح النخبة وصنّاع الحياة. لم يقتصر الأمر على رأس المال الذي فرّ بحثًا عن بيئة آمنة تحمي استثماراته من الجبايات والقيود، بل امتد ليشمل الكتلة الحرجة من المجتمع: المثقفين، والفنانين، والأكاديميين، والسياسيين، والصحفيين، الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما الاعتقال والتنكيل، أو المنفى الاختياري.
ومن تبقى خلف تلك السواتر الإدارية والأمنية المشددة، بات منكفئًا على تفاصيل بقائه اليومي، يكابد شظف العيش، محاصرًا بهاجس الخوف والصمت المطبق.
اختناق الفضاء العام وسطوة الأحادية
إن الأزمة في صنعاء اليوم تتجاوز بكثير مجرد تدهور الأوضاع المعيشية أو الاقتصادية، لتصل إلى مستوى تجريف الحياة العامة برمتها.
لقد غدت سلطة صنعاء بيئة طاردة لكل أشكال التنوع والاختلاف، لا تقبل شريكًا ولا تسمح بصوت يعلو فوق صوت التعبئة الأحادية. وما يزيد المشهد قتامة هو أن هذا الانغلاق لم يعد موجهًا ضد الخصوم فحسب، بل تحول إلى صراعات بينية وانقسامات داخلية تعكس طبيعة المشروع الحاكم الذي يستمد بقاءه من إقصاء الآخر.
جذور الأزمة: الولاية في مواجهة الحياة
يكمن التفسير الجذري لهذا التراجع المخيف في المبدأ الإقصائي الذي تُدار به المدينة، حيث تقتضي «الولاية» بطبيعتها الانفراد بالقرار، والاستحواذ المطلق على مقدرات المجالين العام والخاص، ورفض أي شراكة حقيقية.
هذا الاحتكار الأعمى للسلطة والثروة لا يستهلك طاقة المجتمع وحسب، بل يستهلك ذاته شيئًا فشيئًا، واضعًا العاصمة التاريخية أمام مستقبل غامض، تقف فيه الأيديولوجيا وجهًا لوجه مع حتمية البقاء الإنساني.
لا تمثل هذه الشهادات صكوك براءة لطرف الصراع الآخر في مناطق الشرعية، بل هي صرخة وجع أخير من قلب العاصمة المحاصرة، تؤكد أن الأوطان لا تبقيها الشعارات الحماسية، بل تحرسها الحريات، وتزدهر بالتنوع، وتختنق تمامًا حين تُختزل مدينة بحجم التاريخ في رأس مال جماعة واحدة.
تظل هذه الشهادات الحية، النابعة من قلب العاصمة المحاصرة، صرخة وجع أخير في وجه العبث المتمادي بتاريخ الإنسان والمكان، وتأكيدًا صارخًا على أن الأوطان لا تبنيها الشعارات الحماسية المفرغة من محتواها، ولا تحرسها سياسات الإقصاء والتسلط الأعمى. إن المجتمعات الحية تزدهر بالتنوع، وتتنفس بالحريات، وتختنق تمامًا حين تُختزل مدينة بحجم التاريخ والجغرافيا في أيديولوجيا ضيقة أو مصالح جماعة واحدة تستحوذ على المجالين العام والخاص.
ومهما طال ليل العتمة والاستبداد، ستظل جذور صنعاء التاريخية أعمق من كل محاولات التجريف، وستبقى الذاكرة الإنسانية لأبنائها عصية على التدجين، بانتظار فجر جديد تعود فيه المدينة لتتسع لكل أبنائها بلا استثناء ولا إقصاء.