الحوثيون بين “الدولة الموازية” والنموذج الإيراني: قراءة في البنية الحقيقية للسلطة الحوثية
إن الحديث عن “مجالس ظل” أو “مجالس شبحية” حوثية، لا يمكن فصله عن طبيعة التحول الذي شهدته جماعة الحوثي منذ انتقالها من حركة تمرد محلية في جبال ومديريات بمحافظة صعدة إلى سلطة أمر واقع بعد الانقلاب الذي قادته الجماعة الحوثية في 2014م، حيث أصبحت تدير جزءاً كبيراً من محافظات شمال اليمن، فالمسألة إذن لا تتعلق فقط بوجود هياكل سرية، بل بطبيعة فلسفة الحكم نفسها، وهي فلسفة تقوم على الفصل بين “الدولة الرسمية” و”السلطة الحقيقية”، وهو نموذج يقترب بدرجات متفاوتة من التجربة الإيرانية بعد وصول روح الله الخميني للحكم في إيران عام 1979م، وتأسيس نظام ولاية الفقيه وإنشاء الحرس الثوري الإيراني والباسيج، وكذلك من نموذج مليشيات حزب الله في لبنان.
فجوهر المسألة أن الحوثيين لا يحكمون عبر المؤسسات الرسمية للدولة اليمنية، بل عبر شبكة موازية من المشرفين والدوائر الأمنية والعقائدية المرتبطة مباشرة بعبدالملك الحوثي الذي يجمع كل السلطات في يده، بينما تُستخدم مؤسسات الدولة كواجهة أو كغطاء إداري وقانوني فقط ومرحلي، والذي يعود للتركيبة العقائدية للجماعة التي ترى أن الإمام الفقيه هو صاحب السلطات جميعها بحق إلهي متوارث من نسل النبوة كما يدعون. وهذا الأمر ليس ادعاءً إعلامياً بحتاً، بل تؤكده تقارير أممية ودراسات صادرة عن مراكز بحثية يمنية مختلفة، ومراكز دراسات استراتيجية إقليمية ودولية، وكذلك دراسات غربية فردية تناولت جميعها بنية الجماعة وتحولها من فاعل مسلح إلى سلطة هجينة تجمع بين الدولة والميليشيا.
لكن النقطة المهمة هنا، أن توصيف هذه البنية على شكل “ثمانية مجالس ظل” محددة المعالم، يبدو أقرب إلى محاولة إعلامية لتبسيط بنية شديدة التعقيد والسرية، وليس توصيفاً مؤسسياً دقيقاً بالمعنى الأكاديمي أو الاستخباراتي الصارم. فالجماعات العقائدية المسلحة، خصوصاً المرتبطة بإيران، لا تعمل عادة وفق هياكل بيروقراطية واضحة يمكن رصدها بسهولة، بل تعتمد على شبكات مرنة ومتداخلة، تتغير تبعاً للظروف الأمنية والعسكرية.
التجربة الإيرانية نفسها تقدم نموذجاً واضحاً لفهم الحالة الحوثية. ففي إيران توجد دولتان عملياً:
الدولة الرسمية التي تضم الحكومة والرئاسة والبرلمان والوزارات، والدولة العقائدية العميقة التي يمثلها المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني ومؤسسات الأمن والعقيدة والاقتصاد الموازي. فالقرار النهائي في الملفات الاستراتيجية لا يصنعه الوزير أو البرلمان، بل المؤسسات العقائدية المرتبطة بالمرشد.
هذا النموذج نُقل بدرجات مختلفة إلى حلفاء إيران الإقليميين، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن. ففي اليمن، يبدو أن الحوثيين أعادوا إنتاج النسخة المحلية من “الدولة العقائدية الموازية”، مع تكييفها مع البيئة القبلية اليمنية والتركيبة الزيدية – الجارودية الخاصة بالجماعة.
ومن هنا يمكن فهم دور “المشرفين الحوثيين”، فهم ليسوا مجرد موظفين حزبيين، بل يمثلون النسخة الحوثية من “المفوض العقائدي” أو “الحارس الثوري” داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. فالمحافظ أو الوزير أو مدير المؤسسة قد يحمل الصفة الرسمية، لكن القرار الحقيقي غالباً بيد المشرف المرتبط مباشرة بقيادة الجماعة.
هذه البنية تحقق عدة أهداف استراتيجية للحوثيين:
أولاً، ضمان الولاء العقائدي الكامل، لأن السلطة لا تُمنح بناءً على الكفاءة الإدارية فقط، بل على أساس الثقة العقائدية والانتماء للشبكة المغلقة.
ثانياً، منع الانقلابات والانشقاقات الداخلية، إذ تُوزع مراكز القوة بين دوائر متداخلة يصعب على أي جناح السيطرة عليها منفرداً.
ثالثاً، حماية القيادة العليا من الاختراقات الأمنية، خاصة بعد عمليات الاستهداف والاغتيالات التي طالت قيادات مرتبطة بإيران أو بحزب الله في المنطقة.
رابعاً، إبقاء مؤسسات الدولة في حالة تبعية دائمة للجماعة، بحيث لا تستطيع التحول إلى مؤسسات وطنية مستقلة مستقبلاً.
أما ما يسمى “مجلس الخبراء”، فحتى لو لم يكن موثقاً بالكامل بالاسم والتفاصيل الواردة في بعض التقارير الإعلامية، فإن وجود غرف تنسيق إيرانية – حوثية مشتركة بات أمراً شبه مؤكد، خاصة بعد تصاعد الهجمات في البحر الأحمر والخليج العربي. فإدارة عمليات الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية تتجاوز من حيث التعقيد القدرات المحلية البحتة، وتشير إلى وجود دعم تقني واستخباراتي مرتبط بمحور إيران الإقليمي.
كذلك فإن الحديث عن “المجلس الجهادي” أكثر مصداقية من بقية المجالس، لأن الجماعة بالفعل تمتلك بنية عسكرية – عقائدية مركزية تدير العمليات الكبرى، وتشبه إلى حد كبير “مجلس الجهاد” لدى حزب الله. وهذا المجلس هو على الأرجح مركز الثقل الحقيقي داخل الجماعة، وليس “المجلس السياسي الأعلى” الذي يبدو أقرب إلى واجهة سياسية وإدارية.
أما “المجلس السياسي الأعلى” نفسه، فهو في الواقع جزء من معادلة “ازدواجية السلطة”، أي وجود مؤسسة رسمية تبدو كأنها تمثل الدولة، بينما القرار الحقيقي يُصنع خارجها. وهذا يطابق إلى حد كبير التجربة الإيرانية، حيث توجد حكومة ورئاسة، لكن الملفات الاستراتيجية الكبرى تبقى بيد المرشد والحرس الثوري.
ومن المهم هنا الانتباه إلى أن الجماعات العقائدية المسلحة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على إعادة هندسة المجتمع نفسه. ولذلك فإن مجالس التعبئة والثقافة والتعليم والإعلام ليست هامشية، بل تمثل جزءاً أساسياً من مشروع إعادة تشكيل الهوية السياسية والدينية والاجتماعية للمجتمع اليمني، تماماً كما فعلت إيران عبر الباسيج والمؤسسات العقائدية بعد الثورة.
كما أن نظام “المشرفين” يمنح الحوثيين قدرة عالية على السيطرة المجتمعية، لأنه يربط الأمن والاقتصاد والتعليم والإعلام والقبيلة ضمن شبكة واحدة. وهذا ما يجعل تفكيك هذه البنية في أي تسوية سياسية أمراً بالغ الصعوبة، لأن المسألة لم تعد مجرد حكومة يمكن تغييرها، بل شبكة نفوذ عميقة تغلغلت داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
مع ذلك، يجب التمييز بين “وجود بنية موازية حقيقية” وبين “التوصيف الإعلامي التفصيلي” لها.
وبفهم شبكات المشرفين الأمنية الحوثية وهي شبكات المشرفين الأمنيين التي تشكل العمود الفقري للجهاز الأمني – الاستخباراتي الحوثي، وهي جزء أساسي من “الدولة الموازية” التي بنتها الجماعة منذ الانقلاب عام 2014م. تعمل هذه الشبكات كأداة سيطرة مركزية، ومراقبة، وقمع، مع ارتباط مباشر بعبد الملك الحوثي والمجلس الجهادي والقيادة العليا.
الهيكل والتنظيم
النظام الموازي: يوجد “مشرف عام” في كل محافظة، غالباً من صعدة أو حجة أو عمران أو الأسر الهاشمية المقربة، ومشرفون فرعيون في المديريات والمؤسسات. وفي الجانب الأمني، يشمل ذلك:
مشرفي الأمن والمخابرات داخل أجهزة الدولة الرسمية، مثل وزارة الداخلية، والأمن القومي، والاستخبارات.
مشرفي الجبهات “مُشرف الجبهة”، الذين يشرفون مباشرة على الوحدات العسكرية والأمنية في خطوط القتال.
مشرفون متخصصون: أمنيون، واستخباراتيون، ووقائيون، ومكافحة تجسس.
جهاز الأمن والمخابرات الحوثي أُنشئ رسمياً حوالي عام 2016م، وهو يعمل بشكل مستقل عن جهاز الأمن القومي اليمني السابق. ويعتمد على شبكة واسعة من المخبرين، والمجندين، بما في ذلك الأطفال، والخلايا السرية. ويشبه هيكله الحرس الثوري الإيراني أو جهاز أمن حزب الله.
ومن القيادات البارزة شخصيات مثل عبد الرب جرفان “أبو طه”، الذي لُقب بـ”الرجل الأمني الأول”، والمدرب إيرانياً وعلى أيدي حزب الله، والمسؤول عن الاستخبارات والأمن الوقائي.
كما يدير علي حسين الحوثي وآخرون منظومة القمع الداخلي.
ويمتلك المشرفون المحليون صلاحيات تفوق المحافظين أو مديري الأجهزة الرسمية.
المهام الرئيسية
المراقبة والولاء: عبر زرع مخبرين في المؤسسات، والجامعات، والقبائل، والمجتمع، ومراقبة الموظفين والكشف عن “المتخاذلين” أو المعارضين.
القمع والاعتقالات: من خلال إدارة السجون السرية، والتعذيب، والاختطافات السياسية، حيث تحولت بعض المحاكم إلى أداة أمنية.
مكافحة التجسس: عبر إعلانات متكررة عن تفكيك “شبكات تجسس” أمريكية – إسرائيلية – سعودية، والتي غالباً ما تُستخدم لتبرير حملات داخلية.
التنسيق الخارجي: عبر الارتباط الوثيق بالدعم الإيراني، سواء في التدريب أو التقنيات أو شبكات التهريب وغسيل الأموال والعمليات الإقليمية.
السيطرة الاقتصادية – الأمنية: من خلال الإشراف على الإيرادات، والمساعدات، والشبكات المالية الموازية لتمويل العمليات.
الخصائص البارزة
المركزية والسرية: فالولاء الشخصي لعبد الملك الحوثي أهم من الكفاءة. كما أن الشبكة مرنة ومتداخلة، وهي شبكات وليست هرماً تنظيمياً صلباً، مما يصعب اختراقها أو استهدافها.
التأثير الإيراني: عبر تدريبات الحرس الثوري وحزب الله، واستنساخ نماذج “الاستخبارات الثورية” و”الباسيج”.
الانتشار: حيث تغلغلت هذه الشبكات في كل المحافظات الخاضعة للسيطرة، مع تركيز واضح على صنعاء، والحديدة، وصعدة.
الفعالية والتكلفة: فقد ساهمت في تماسك الجماعة رغم الضربات، لكنها في المقابل تولد استياءً شعبياً واسعاً بسبب القمع والابتزاز.
التقييم الاستراتيجي
نقاط القوة:
ضمان السيطرة المطلقة ومنع الانشقاقات الداخلية.
قدرة عالية على الاستجابة السريعة والعمليات السرية.
دمج الأمن بالعسكري بالاقتصادي، ضمن نموذج هجين فعال.
نقاط الضعف:
الاعتماد على الخوف والولاء العقائدي والسلالي، مما يحد من الكفاءة على المدى الطويل.
التعرض لخسائر في القيادات بسبب الضربات الخارجية.
إعاقة بناء مؤسسات دولة طبيعية، وجعل أي تسوية سياسية معقدة جداً، لأن تفكيك هذه الشبكات أمر بالغ الصعوبة.
هذه الشبكات هي ما يميز الحوثيين عن ميليشيات أخرى، فهي ليست مجرد قوة عسكرية، بل جهاز أمني – عقائدي متغلغل في المجتمع.
فالمبالغة في الحديث عن ثمانية مجالس محددة قد تخدم أهدافاً سياسية وإعلامية، لكنها لا تلغي حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الحوثيين طوروا بالفعل نموذج حكم هجيناً يجمع بين الدولة الرسمية والتنظيم العقائدي المسلح، على غرار النموذج الإيراني.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم ليس: هل توجد ثمانية مجالس ظل؟
بل: هل توجد سلطة حوثية حقيقية تعمل خارج مؤسسات الدولة الرسمية؟
والإجابة الأقرب للواقع هي نعم، بدرجة كبيرة، وهذه السلطة الموازية هي التي تفسر قدرة الجماعة على الحفاظ على تماسكها وسيطرتها رغم الحرب والعقوبات والضغوط العسكرية والإقليمية.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز