التشطير .. بوابة السقوط الكبير لليمن

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

مما لا شك فيه، أن الوحدة اليمنية كانت ـ ولا تزال ـ أعظم منجز وطني في التاريخ اليمني الحديث، لأنها أنهت زمن التمزق والانقسام الذي جرّبه اليمنيون وعانوا منه  لعقود طويلة، حيث لم يكن الشطران جنتين سياسيتين كما يحاول البعض تصويرهما اليوم تحت تأثير الغضب والخذلان. كان اليمن منهكًا بالصراعات والانقلابات والاغتيالات والحروب والأزمات الاقتصادية والاستقطابات الدولية. وكانت الهوية الوطنية نفسها عرضة للتآكل بين مشاريع متصارعة وأجندات متناقضة.

وها نحن اليوم وبعد 36 عامًا على الوحدة نجد بعض دعاة التشطير يدعون للعودة إلى الوراء لعهد الانقسام، ويتعاملون مع هذه الدعوات باعتبارها "الخلاص النهائي" بينما يتجاهلون أن الانقسام بحد ذاته يفتح أبوابًا جديدة لصراعات أكثر تعقيدًا، ويخلق حدودًا ملتهبة، ويُنتج هويات متصارعة، ويحوّل الجغرافيا الواحدة إلى ساحات نفوذ متناحرة تتقاسمها القوى الخارجية.

نعم، نحن لا ننكر أن الوحدة اليمنية رافقها أخطاء، وحدث إقصاء، وفساد، وتراكمت اختلالات سياسية واقتصادية وإدارية أفرغت الحلم الوطني من كثير من معانيه. هذه حقائق لا يمكن إنكارها أو القفز فوقها. لكن هذا لا يعني ان نعالج الخطأ بكارثة، لأن علاج الأخطاء لا يكون بتدمير أصل المشروع. هل يُعقل أن يعود اليمنيون إلى ما قبل 22 مايو، إلى زمن الحدود والأسلاك والحواجز ونقاط التفتيش والانقسامات والشكوك المتبادلة؟

التشطير لم يكن ولن يكون  علاجًا، بقدر ما هو إعادة إنتاج لكارثة قديمة بثوب جديد.

خطأ كبير أن يتم اختزال كل الإخفاقات التي تلت قيام الوحدة في "الوحدة نفسها". فالمشاريع الوطنية العظيمة لا تُدان بسبب سوء الإدارة، لكنها تُراجع أخطاؤها وتُصحح اختلالاتها وتحظى بفرصة للإنقاذ. أما الهروب نحو التشطير، فليس حلًا بقدر ما هو انتقام عاطفي من مرحلة سياسية بحد ذاتها.

وإذا أردنا فعلا إنقاذ الوحدة من براثن النشطير، ينبغي على النخب السياسية  أن لا تكرر اخطاء الماضي، وأن تبني عقدًا سياسيًا جديدًا يعترف بالأخطاء، ويعالج المظالم، ويؤسس لشراكة عادلة لا يشعر فيها أحد بأنه تابع أو مهزوم أو مُستبعَد.

وأن تعترف بأن هناك أخطاءً كارثية ارتُكبت باسمها، وأن ترميمها يبدأ بإقامة دولة عادلة، لا دولة غلبة، ودستور يضمن الشراكة، لا الهيمنة، ومؤسسات تحمي المواطن، لا مراكز القوى. هذا هو الطريق الحقيقي لإنقاذ الوحدة، لا دفنها.

فالوحدة اليمنية ليست خطيئة، والتشطير ليس خلاصًا، لكنه بوابة السقوط الكبير لليمن. فلنحذر.