حكومة الزيدي ملغومة وواشنطن تضغط والنظام الإيراني في أيامه الأخيرة
بعد اختيار علي الزيدي رسمياً رئيساً لوزراء العراق، بدأت ملامح الحكومة الجديدة تتشكل وسط صراع إقليمي ودولي واضح بين النفوذ الأمريكي والإيراني داخل الساحة السياسية العراقية. وتمكن الزيدي من اختيار ١٤ وزيراً من أصل ٢٣ حقيبة وزارية، إلا أن غالبية الأسماء التي تم اختيارها أثارت جدلاً واسعاً بسبب ارتباطاتها السياسية والأمنية بفصائل ومليشيات مقربة من إيران، ما فتح باب التساؤلات حول قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ مشروع إصلاحي مستقل بعيداً عن الضغوط الإيرانية. وفي أول خطاب له بعد توليه رئاسة الوزراء، حاول الزيدي تقديم صورة مختلفة لحكومته، مؤكداً أن العراق يمر بمرحلة دقيقة تتطلب “تعاوناً وطنياً حقيقياً” وتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، متناسياً وجود أكثر من ٧٠ ألف معتقل ومغيب في السجون العراقية من المناطق الغربية وحدها، فضلاً عن عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين من الوسط والجنوب. كما شدد على أن حكومته ستكون حكومة خدمات وإصلاح، متعهداً بمحاربة الفساد، وحماية المال العام، والعمل على بناء دولة المؤسسات والقانون، رغم أن القوى الإطارية المقربة من إيران، بحسب منتقديها، تُتهم بأنها ساهمت في ترسيخ الفساد داخل مؤسسات الدولة على مدى السنوات الماضية. وركّز الزيدي في خطابه على الملف الاقتصادي، معلناً عن برنامج إصلاحي يهدف إلى تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على النفط، إلى جانب دعم الاستثمار والقطاع الخاص وتوفير فرص عمل للشباب. كما تعهد بتحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وتطوير قطاعي التعليم والصحة، مؤكداً أن حكومته “لن تكتفي بالشعارات والوعود”. ومع اقتراب فصل الصيف، تزداد التحديات أمام الحكومة الجديدة، خصوصاً في ملف الكهرباء، حيث يطالب الشارع العراقي بحلول عاجلة تضمن استقرار منظومة الطاقة وتقليل ساعات الانقطاع، حتى وإن استمر التقنين بشكل مؤقت إلى حين إعادة تأهيل محطات الغاز وتحويل بعضها للعمل على الديزل وتشغيلها بالكامل قبل نهاية الصيف على أبعد تقدير. لكن هذه التعهدات جاءت في ظل أجواء سياسية معقدة رافقت تشكيل الحكومة. فقد سبقت الإعلان عن التشكيلة الوزارية تحركات إقليمية ودولية مكثفة، كان أبرزها زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، والتي اعتبرها مراقبون خطوة حاسمة في توحيد مواقف القوى الشيعية المقربة من طهران، خصوصاً فيما يتعلق بالوزارات الأمنية والخدمية الحساسة، بما يضمن استمرار النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية.
في المقابل، حاولت الولايات المتحدة التأثير على مسار تشكيل الحكومة عبر ضغوط سياسية ورسائل مباشرة إلى الزيدي بعدم إشراك شخصيات مرتبطة بالمليشيات المسلحة داخل الكابينة الوزارية. كما شهدت بغداد تحركات أمريكية بارزة، بينها زيارة الجنرال الأمريكي السابق ديفيد بتريوس والمبعوث الأمريكي توم براك، في محاولة لدفع القوى السياسية نحو تشكيل حكومة أقل ارتباطاً بالمشروع الإيراني. إلا أن تلك الجهود الأمريكية لم تحقق نتائج ملموسة، حيث تمكنت القوى المقربة من طهران من فرض جزء كبير من مرشحيها داخل الحكومة الجديدة، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين انتصاراً سياسياً لإيران داخل العراق، وفشلاً واضحاً للضغوط الأمريكية رغم الحضور السياسي والأمني المكثف لواشنطن خلال فترة المفاوضات. ويرى البعض أن الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، باتت أمام خيارين: إما اتخاذ موقف حاسم تجاه النفوذ الإيراني والمليشيات المرتبطة به داخل العراق، عبر دعم المؤسسة العسكرية وتصفية هذه المليشيات كما فعلت في ايران ولبنان وغزة وتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة بالكامل عن طهران، أو الاستمرار في السياسة الحالية التي يعتبرها منتقدون بمثابة ترك العراق ضمن دائرة النفوذ الإيراني كتعويض غير مباشر عن خسائر طهران الإقليمية خلال السنوات الماضية وهذه جريمة اخلاقية على امريكا مجابهتها. هذا المشهد يعكس استمرار العراق كساحة تنافس مفتوح بين واشنطن وطهران، في وقت ينتظر فيه العراقيون حكومة قادرة على معالجة الأزمات المتراكمة من فساد وتراجع اقتصادي وضعف الخدمات. وبين الوعود الإصلاحية التي أطلقها الزيدي والواقع السياسي المعقد الذي تشكلت فيه حكومته، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول الحكومة الجديدة إلى امتداد جديد للصراع الإقليمي، بدلاً من أن تكون بداية فعلية لاستعادة القرار العراقي المستقل وتحقيق تطلعات الشعب العراقي.
الرئيس الأمريكي، وبعد عودته من زيارته إلى الصين، بات – بحسب ما يراه مراقبون ومتابعون للملف الإيراني – أكثر قناعة بأن النظام الإيراني لم يعد بالإمكان التعامل معه عبر الاتفاقات التقليدية أو محاولات الاحتواء السياسي، بل إن المشكلة باتت أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بطبيعة النظام نفسه وآلية عمله داخل المنطقة. فواشنطن، كما يرى هؤلاء، وصلت إلى مرحلة تعتبر فيها أن استمرار النظام الإيراني يعني استمرار حالة الفوضى والصراعات وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ليس فقط عبر سياساته المباشرة، بل أيضاً من خلال شبكة الوكلاء والفصائل المسلحة المرتبطة به في عدد من الدول العربية. ومن هذا المنطلق، بدأت تتبلور قناعة متزايدة داخل دوائر القرار الأمريكية بأن أي محاولة لإعادة دمج إيران في المنظومة الدولية أو إصلاح سلوكها السياسي والأمني لم تحقق نتائج حقيقية خلال العقود الماضية. فالنظام الإيراني، وفق هذا التصور، لا يتعامل بعقلية الدولة التقليدية القائمة على الالتزام بالقوانين والاتفاقيات الدولية، بل يعتمد على سياسة النفوذ المسلح، وتوسيع مناطق السيطرة غير المباشرة، واستخدام المليشيات كأداة ضغط إقليمية، الأمر الذي دفع عدداً كبيراً من دول المنطقة إلى التعامل معه بحذر شديد أو الدخول في حالة قطيعة سياسية وأمنية معه. كما يرى أصحاب هذا الطرح أن عزل إيران إقليمياً لم يكن قراراً عشوائياً، بل نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات والتدخلات في شؤون الدول العربية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن. ولذلك، فإن كثيراً من العواصم الإقليمية باتت تعتبر أن المشكلة لم تعد مرتبطة بملف سياسي محدد أو خلاف دبلوماسي قابل للحل، وإنما بمشروع كامل قائم على التوسع والنفوذ وفرض الأمر الواقع عبر السلاح والجماعات المسلحة. وبحسب هذه القراءة، فإن الإدارة الأمريكية الحالية تعتقد أن مرحلة “إدارة الأزمة” مع إيران تقترب من نهايتها، وأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة أكثر حسماً في التعامل مع النفوذ الإيراني ووكلائه. ويرى بعض المحللين أن القرارات الكبرى المتعلقة بهذا الملف ربما تم اتخاذها بالفعل قبل زيارة ترامب إلى الصين، إلا أن تنفيذها تم تأجيله أو تنظيم توقيته ضمن ترتيبات دولية أوسع، هدفها ضمان عدم دخول قوى كبرى، مثل الصين، في أي مسار داعم لطهران في حال تصاعد المواجهة الإقليمية أو الدولية. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن أي مواجهة قادمة لن تكون مجرد صراع عسكري تقليدي، بل معركة سياسية وأمنية واقتصادية شاملة تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. كما يعتقدون أن النفوذ الإيراني في عدد من الدول يعتمد بدرجة كبيرة على بقاء النظام المركزي في طهران، وأن سقوط هذا النظام – إن حدث – سيؤدي إلى انهيار سريع في بنية الجماعات والفصائل المرتبطة به، نتيجة فقدان التمويل والدعم السياسي والعسكري الذي تعتمد عليه منذ سنوات. وفي هذا السياق، يتوقع البعض أن تشهد المنطقة حالة من التفكك السريع داخل شبكات النفوذ المرتبطة بطهران فور حدوث أي تحول جذري داخل إيران، وأن عدداً كبيراً من القيادات والعناصر التابعة لتلك الجماعات قد يسارع إلى الهروب أو الاختفاء خلال فترة قصيرة جداً، خوفاً من الانهيار الأمني أو الملاحقات السياسية والقضائية. ولهذا يصف بعض المتابعين تلك المرحلة المحتملة بـ “يوم الفرار الكبير”، في إشارة إلى الانسحاب السريع المتوقع لوكلاء إيران من المشهد السياسي والأمني إذا فقدوا الغطاء والدعم القادم من طهران.ّومع ذلك، تبقى كل هذه السيناريوهات ضمن إطار التحليلات والتوقعات السياسية، وان شمس الحرية لقريب وتذكروا دائماّ ان الله معنا.
المجلس الوطني العراقي للتغير/ الحراك العراقي