الوطن بين جمود الفكر وجشع النخبة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في كل مرحلة انتقالية تمر بها الشعوب، يظهر سؤال كبير يفرض نفسه: لماذا نتعثر كلما حاولنا أن نتقدم؟

الجواب ليس بسيطًا، لكنه غالبًا ما يبدأ من داخلنا، من عقل يرفض التغيير، ونخبة تلهث خلف المصالح، وصمت طويل أمام الباطل، وعدالة عرجاء لا ترى إلا الضعيف.

التغيير بطبيعته يثير القلق؛ فهو يهز المألوف، ويكسر العادات، ويعيد ترتيب موازين القوى. لكن المشكلة لا تكمن في الخوف الطبيعي من الجديد، بل في تحويل هذا الخوف إلى موقف دائم يرفض أي إصلاح، ويقاوم أي فكرة خارج الإطار التقليدي.

حين يتحول العقل إلى حارس للجمود، تصبح كل مبادرة تهديدًا، وكل دعوة للإصلاح مؤامرة، وكل نقد خروجًا عن الصف. وهنا تبدأ المجتمعات بالدوران في الحلقة نفسها، تعيد أخطاءها وتشتكي من نتائجها.

وفي المقابل، تقف نخبة يُفترض بها أن تقود الوعي، لكنها تنشغل بحسابات ضيقة. فبدل أن تكون جسرًا بين السلطة والناس، تتحول إلى وسيط للمصالح. تتحدث باسم الوطن حين يخدمها، وتصمت حين يتعارض الحق مع مكاسبها. هذا التناقض يخلق فجوة عميقة بين الخطاب والواقع، ويزرع في الشارع شعورًا متزايدًا بفقدان الثقة.

الأخطر من ذلك هو السكوت التام أمام الباطل؛ فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين يصبح الظلم أمرًا اعتياديًا، والفساد خبرًا عابرًا، والتجاوزات ظروفًا استثنائية. الصمت ليس حيادًا كما يُظن، بل موقف ضمني يطيل عمر الخطأ ويمنحه غطاء غير مباشر. ومع تكرار الصمت، يتحول الاعتراض إلى مخاطرة.

أما العدالة، فهي ميزان المجتمعات. فإذا اختل ميزانها، اختل كل شيء. حين تكون العدالة عرجاء، لا ترى إلا الضعيف، ولا تُطبَّق إلا على من لا يملك حماية، فإنها تفقد معناها الأخلاقي قبل القانوني. العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد القضايا، بل بقدرتها على الوقوف في وجه القوي قبل محاسبة الضعيف. فإذا شعر الناس أن القانون لا يحميهم جميعًا، بل يُستخدم ضد بعضهم، فإن الإحباط يتحول إلى احتقان، والاحتقان إلى فقدان ثقة شامل.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل؛ فكل مجتمع يملك في داخله طاقة تصحيح، شرط أن يعترف بأخطائه دون مكابرة. التغيير لا يعني هدم الثوابت، بل مراجعة الوسائل. والنخبة ليست قدرًا ثابتًا، بل يمكن أن تتجدد بوجوه تؤمن بالمصلحة العامة لا الخاصة. والصمت يمكن أن يُستبدل بكلمة مسؤولة متزنة، لا تهدف إلى الفوضى بل إلى الإصلاح. والعدالة يمكن أن تستقيم متى ما توفرت الإرادة الصادقة لتطبيقها على الجميع بلا استثناء.

إن الخروج من دائرة التعثر لا يبدأ بشعار، بل بموقف؛ موقف يرفض الجمود دون أن يندفع إلى الفوضى، ويطالب بالإصلاح دون أن يسقط في المزايدة، ويؤمن أن قوة الأوطان لا تُقاس بصلابة الخطاب، بل بصدق الممارسة.

فحين يتغير العقل، وتتحرر النخبة من مصالحها الضيقة، ويُكسر الصمت أمام الباطل، وتستقيم العدالة؛ عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا الطريق الصحيح.