الجوع أنثى .. والحوثي لا يخجل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في صنعاء، المدينة التي كانت تتباهى بنوافذها المزخرفة ورائحة الخبز في الصباح، صارت الأرصفة عنواناً جديداً لليمنيات. منذ أن أحكمت جماعة الحوثي قبضتها على العاصمة، لم يتدهور الاقتصاد فقط، بل تدهورت الكرامة. المرأة اليمنية، التي كانت عماد البيت وذاكرة المكان، تحوّلت إلى رقم في طابور انتظار: انتظار سلة غذائية، أو إحسان عابر، أو معجزة لا تأتي.

المشهد ليس عابراً ولا قدرياً، بل هو نتيجة سياسات منهجية: تجفيف للموارد، جبايات لا ترحم، رواتب مقطوعة، وأسواق ترتفع أسعارها كلما ارتفعت الشعارات. المرأة التي فقدت زوجها في الحرب، أو فقدت راتبه في الانقطاع، وجدت نفسها فجأة معيلة لأسرة كاملة، في ظل سلطة تضيق عليها الحركة والعمل، وتراقب أنفاسها باسم الأخلاق والأمن.

التقارير الدولية تقول إن النساء يشكلن النسبة الأكبر من النازحين داخلياً. هذا رقم بارد، لكن خلفه وجوه حارة بالدمع. آلاف الأسر تعيلها نساء بلا سند، في وقت تُفرض فيه قيود غير قانونية على السفر والتنقل، وتُحاصر فرص العمل بتعليمات شفوية أقسى من النصوص المكتوبة. تُسأل المرأة: أين تذهبين؟ مع من تعملين؟ ولماذا؟ وكأن الحاجة إلى لقمة العيش تهمة تحتاج إلى إذن.

في إب، كما في صنعاء، تصطف النساء أمام مبادرات خيرية أهلية للحصول على وجبة. المفارقة موجعة: الأموال تُجبى باسم الزكاة والأوقاف، لكن الجوع لا يجد مؤسسة رسمية تحميه من الإهانة. تتحول المبادرات الفردية إلى بديل قسري عن الدولة، فيما تُوجَّه الموارد إلى حيث تريد السلطة، لا إلى حيث يصرخ الأطفال.

الآلة الإعلامية لا تتعب. تُعلّق كل شيء على شماعة "العدوان الخارجي"، وتطلب من الجائعة أن ترى في معدتها الخاوية "صموداً". تُختزل المأساة في خطاب تعبوي، وتُمحى الإدارة الفاشلة والفساد من الصورة. يُطلب من المرأة أن تتقبل الفقر كتضحية وطنية، وأن تصمت، لأن السؤال يُغضب.

الحقيقة أن تجويع النساء ليس عرضاً جانبياً للحرب، بل أداة في منظومة حكم تتحكم بالموارد وتُدير المساعدات كوسيلة ضغط. حين تُصبح السلة الغذائية بطاقة ولاء، وحين يُصبح التصريح بالعمل منّة، تُدفع المرأة إلى اعتماد كامل على الإعانة، ويُغلق باب الاستقلال الاقتصادي الذي هو أول أبواب الكرامة.

في الحوبان شرق تعز، تتكرر الحكاية بصيغة أخرى. المنطقة التي كانت امتداداً اقتصادياً نشطاً لتعز، تعيش عزلة وارتفاعاً حاداً في الأسعار بسبب الانقسام وتعقيدات النقل. الجبايات مستمرة، والرسوم تتوالد بأسماء شتى، والتاجر يرفع السعر لينجو، فتدفع المرأة الثمن من طبق أطفالها. كثيرات أصبحن معيلات بعد مقتل الأزواج أو إصابتهم أو فقدان الدخل. ومع ذلك، لا بيئة عمل آمنة ولا مستقرة. مشاريع منزلية صغيرة تُواجه بعراقيل ومضايقات، وأنشطة بسيطة تُثقلها الرقابة، فينكمش الأمل إلى حدود المطبخ.

النتيجة: فقر أنثوي يتسع. أمهات يقلّصن الوجبات، يبعن ما تبقى من حُليّ، يؤجلن علاجاً ضرورياً. الوصول إلى الرعاية الصحية تحدٍ آخر، مع تكاليف نقل وعلاج تفوق القدرة، وانعدام تأمين صحي، وتدهور قدرة شرائية. ليست أزمة مال فقط، بل أزمة إدارة وضمير.

وإذا حاولت النساء تنظيم مبادرة توعوية أو نشاط مدني مستقل، جاء الخوف قبل الخطوة: استدعاء، مساءلة، وصم. في مناخ كهذا، يُصبح الصمت آلية بقاء. وهكذا تكتمل الحلقة: فقر يولّد هشاشة، هشاشة تولّد صمتاً، وصمت يسمح باستمرار السياسات نفسها بلا مساءلة.

السلطة التي تحتكر السلاح والمال، وتعجز عن توفير الحد الأدنى من الحماية والدعم للنساء، تتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الانحدار. لا يكفي أن تُرفع الشعارات فيما تُسحب اللقمة من فم طفل. ولا يكفي أن تُجبى الأموال باسم الدين فيما تُترك الأرامل في طوابير الإذلال.

اليمنيات لا يحتجن خطابات، بل حقوقاً: حرية حركة، فرص عمل، شبكات أمان اجتماعي شفافة، ورقابة حقيقية على الموارد. بين صنعاء وإب والحوبان، القصة واحدة: امرأة تدفع ثمن حرب لم تخترها، وسلطة تملك الموارد لكنها لا تعيدها إلى المجتمع بالقدر الذي يحفظ كرامته.

الجوع أنثى في اليمن ،اليوم، والعار سياسي.